سنطرال قصة حليب ضاع مجده

سنطرال قصة حليب ضاع مجده

مراسل - مواقع

«هناك مادتان تشملهما المقاطعة، للناس تقدير سياسي لأصحابهما، وهذا مفهوم، لكن للي بقا فيا بزاف هو مقاطعة الحليب التي وصلنا فيها إلى الأذى ضد الفلاحين. ليس هناك أي مبرر لأن ثمن الحليب لم يرتفع منذ 2013، وحتى إذا كانت هناك رسالة سياسية فقد وصلت، والمغاربة يقولون يلا غلبتي عف». هكذا اختار رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، تلخيص حالة «اللغز» التي باتت تتخذها حملة المقاطعة في شقها الخاص بشركة «سنطرال للحليب»، مع العلم أن بنكيران نفسه كان قد تقدم بطلب رأي إلى مجلس المنافسة عام 2013، بشأن الزيادة التي أقرتها الشركة في سعر الحليب حينها، وجاءه جواب المجلس الدستوري بأن هذه الشركة توجد في وضعية هيمنة وتحكم في السوق والأسعار بشكل غير مشروع.

أزمة سنطرال قديمة
خليفة بنكيران الموجود على رأس الحكومة الحالية، سعد الدين العثماني، أكد، بدوره، صورة اللغز التي يراد لها أن ترتبط بهذا الملف، حين استيقظ قبيل فجر يوم الجمعة الماضي، وأصدر بيانا يدعو فيه المقاطعين إلى «تقدير دقة الموقف»، وإيقاف الحملة خوفا على مصير الفلاحين الذين يبيعون حليب أبقارهم لهذه الشركة. سعد الدين العثماني، ومعه وزيره المنتدب في الحكامة، لحسن الداودي، تصديا في الأيام الأخيرة لمهمة الدفاع عن الشركة المملوكة للعملاق الفرنسي «دانون»، في الوقت الذي اختفى فيه الوزير الوصي على القطاع، عزيز أخنوش، منذ وقف أمام الكاميرات، في معرض الفلاحة الدولي في بدايات حملة المقاطعة، وشرب كأسا من الحليب اعتقده البعض حينها حليب سباع.
ما لا يقوله بنكيران ولا العثماني ولا أخنوش، هو أن شركة سنطرال تعيش بالفعل أزمة، لكنها ليست وليدة فترة المقاطعة. عملية بحث طويل ودقيق في تقارير الهيئات الرسمية المعنية بالرقابة، وتلك الصادرة عن الشركة نفسها وعن وزارة الفلاحة، تكشف بالملموس أن الأمر يتعلّق بصفقة خاسرة دخلها العملاق الفرنسي منذ أصبح مالكا أغلبية أسهم شركة «سنطرال» المغربية، متكبدا خسائر بعدما استثمر أكثر من مليار دولار لتعويض الهولدينغ الملكي في ملكية هذه الشركة الحلوب. خلف الضجيج والضجيج المضاد تقبع تفاصيل فشل مشترك بين استثمار خاص قادم من فرنسا، التي اعتاد رأسمالها دخول أسواق المملكة مختبئا تحت مظلة الحماية، وسياسة عمومية مغربية في قطاع الفلاحة تستنزف المال العام لتنتج الفشل ومزيدا من الفقر والهشاشة.

انسحاب الهولدينغ الملكي
بدأت الحكاية ذات مساء من يوم الجمعة 18 فبراير 2011، أي يومين قبل أول خروج لمسيرات حركة 20 فبراير المجسدة لنصيب المغرب من الربيع العربي. يومها نظمت «أخبار اليوم» ندوة دعت إليها عددا من السياسيين والمفكرين لمناقشة وضع المغرب في تلك اللحظة الدقيقة، فكان من بين الحاضرين رجل جاء مقدما نفسه أنه حامل رسالة مهمة. يتعلق الأمر برجل الإشهار والعلاقات العامة المقرب من القصر، نور الدين عيوش. قام هذا الأخير، وسط القاعة التي كانت شديدة الاكتظاظ وفي درجة حرارة كان الجميع يتصبب معها عرقا، ليقول إن الهولدينغ الملكي قرر الانسحاب من بعض القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالمواد الغذائية الأساسية، وخص بالذكر ثلاث شركات قال إن الـSNI تستعد لبيعها، وهي كل من شركة «كوزيمار» التي تنتج السكر، وشركة «لوسيور» التي تنتج زيت المائدة، ثم شركة «سنطرال»، العملاق الوطني في مجال الحليب. عيوش تحدث يومها بحماس كبير، وذهب إلى القول إن الهولدينغ الملكي يستعد للانسحاب أيضا من سلسلة الأسواق الممتازة «مرجان»، وإن الأموال التي سيجمعها الهولدينغ الملكي ستوضع في صندوق خاص بدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة… بقية الحكاية يعرفها الجميع.
رسالة عيوش هذه ستصدقها الأسابيع القليلة الموالية، حيث جرى بالفعل تفويت شركة «لوسيور» لشقيقتها الفرنسية التي تحمل الاسم نفسه. وبينما جرى تبرير التراجع عن تفويت شركة «كوزيمار» بتحقيق هذه الأخيرة نتائج مالية كبيرة في تلك السنة؛ انطلقت في يونيو 2011 عملية تفويت شركة «سنطرال» للعملاق الفرنسي في مجال الحليب ومشتقاته، شركة «دانون». كان رقم معاملات قطاع الحليب ومشتقاته يعيش على إيقاع الارتفاع بوتيرة سنوية متباينة، وصلت، بين عامي 2007 و2008، إلى قرابة 22 في المائة، حيث قفز من حوالي عشرة ملايير درهم إلى أكثر من 12 مليارا.
بسرعة وسهولة جرت صفقة تفويت حوالي 38% من أسهم سنطرال إلى العملاق الفرنسي، حيث صدر من العاصمة الفرنسية باريس، يوم 27 يونيو 2012، بيان يعلن رسميا تحول دانون الفرنسية إلى مالك لأغلبية أسهم شركة «سنطرال» المغربية. خطوة جديدة في شراكة قديمة بين الجانبين تعود إلى فترة الحماية الفرنسية على المغرب خلال الخمسينيات، وهي الشراكة نفسها التي كانت قد عرفت قفزة عام 2001، حين أصبح الشريك الفرنسي يملك أكثر من 29 في المائة من الأسهم.
هما، إذن، شريكان يعرفان بعضهما البعض، وكل منهما يعرف السوق المغربي بشكل لا يضاهيه أي طرف آخر. صدور هذا البيان فتح الباب أمام المرحلة الأخيرة من المسطرة، والتي لم تكن سوى تزكية رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران حينها، بعد استشارته مجلس المنافسة، ليتلقى الهولدينغ الملكي أكثر من 6 ملايير درهم مقابل تنازله عن أكثر من ثلث أسهم الشركة الكبرى في مجال الحليب.

مجد لم يستمر
تقرير مفصل نشرته الهيئة المغربية لسوق الرساميل عام 2013 حول الشركة، بمناسبة عرض جديد للرفع من رأسمالها، يقدم تشخيصا مفصلا لوضعية السوق ومعه شركة «سنطرال». ففي العام 2009 -يقول التقرير- حققت الشركة ما يفوق 611 مليون درهم من الأرباح. رقم سينخفض بشكل طفيف في العام 2010، حيث كان مجموع الأرباح حوالي 558 مليون درهم، فيما كانت سنة الربيع العربي، أي 2011، موعد انخفاض أكبر في أرباح الشركة، حيث ناهزت 436 مليون درهم. فلماذا أقدم العملاق الفرنسي على شراء شركة في سياق كانت تعرف فيه انحدارا في أرباحها؟
الجواب الذي تقدمه جل التقارير والوثائق الصادرة حينها، يقول إن الأمر كان يتعلق بتوقعات تفيد بتحقيق نمو سريع، انطلاقا من استفادة الشركة المغربية من خبرة العملاق الفرنسي، وقدراته الكبيرة في مجال البحث العلمي لتطوير منتجاته، فيما كانت المعطيات الخاصة بمستقبل الاستهلاك تشير إلى أن المغرب مقبل على تطور في حجم استهلاك مواطنيه من الحليب، لأن المعدل الوطني مازال منخفضا مقارنة بالمعدلات الإقليمية والدولية، ولأن المجتمع المغربي يعرف تحولا في اتجاه نمو الطبقة المتوسطة، وتغير العادات الاستهلاكية في اتجاه الإقبال أكثر على المنتجات الحليبية.
البيان الذي صدر عن العملاق الفرنسي في يونيو 2012، كان بناء على بروتوكول اتفاق جرى التوصل إليه مع الشركة المغربية، تنتقل بموجبه رسميا 37.78 في المائة من أسهم «سنطرال» إلى «دانون» الفرنسية. في نص البروتوكول نقرأ أن الغاية من هذه الشراكة هي تعزيز التعاون مع الهولدينغ الملكي، وتمكين «سنطرال» المغربية من ولوج قدرات «دانون» الفرنسية الكبيرة في مجال البحث والنمو، بهدف تسريع وتيرة الابتكار وإطلاق منتجات جديدة، والاستفادة من شبكة التوزيع الكبيرة التي تتمتع بها الشركة المغربية، متجسدة في أكثر من 75 ألف نقطة بيع لمنتجاتها…
بناء على هذا البروتوكول، أصبحت «جيرفي دانون»، التابعة للعملاق «دانون»، تمتلك 67 في المائة من رأسمال شركة «سنطرال» المغربية. التقرير المنشور في موقع الهيئة المغربية لسوق الرساميل، يلخص العلاقة بين الأطراف الثلاثة في امتلاك شركة «دانون» 99.9 في المائة من أسهم شركة «جيرفي دانون»، وحيازة هذه الأخيرة 67% من أسهم «سنطرال» المغربية، التي تضخ في المقابل أموالا تتمثل في كل من الربحيات «dividendes»، ورسوم استغلال العلامات المملوكة لشركة «جيرفي دانون» لفائدة هذه الأخيرة، فيما تدفع الشركة المغربية رسوما إدارية، «management fees» لحساب الشركة الأم، «دانون» الفرنسية.

الطموح كان كبيرا
الوثائق القانونية تقول إن «جيرفي دانون» أصبحت تتحكم فعليا في 67% من أسهم «سنطرال» في 22 فبراير 2013، وذلك بعد التوقيع على بروتوكول الاتفاق النهائي يومين قبل ذلك، أي في الذكرى السنوية الثانية لانطلاق حركة 20 فبراير. ونص البروتوكول على حصول الهولدينغ الملكي على حق الاحتفاظ بعضوين من أصل الأعضاء التسعة لمجلس إدارة الشركة، لكن دون تخويله أي حق لممارسة حق الفيتو في القرارات المهمة والاستراتيجية.
طموحات الشركة المغربية كانت كبيرة، وبنيت على أساس معطيات مشجعة عرفها المغرب في العقد السابق، حيث انتقل معدل الاستهلاك السنوي لكل مغربي من الحليب ومشتقاته من 16.5 كيلوغراما في 2001، إلى 27 كيلوغراما في العام 2011. تطور مشجع ويسمح بتوقع مواصلته بالنظر إلى وجود معدلات دولية أكبر، مثل إيرلندا التي يصل فيها معدل الاستهلاك الفردي إلى 136 كيلوغراما في السنة، وتونس التي يفوق فيها هذا المؤشر 96 كيلوغراما. وفوق ذلك، كان فوق طاولة المستثمرين الفرنسيين ملف محفز مصدره مخطط المغرب الأخضر، متضمنا توجهات استراتيجية للدولة المغربية، تتجسد في تطوير القطيع الوطني من الأبقار الحلوب، وذلك من خلال دعم مالي سخي يروم تحفيز الفلاحين ومربيي الأبقار على استبدال الفصيلة المحلية من الأبقار المحلية بأخرى مستوردة ذات مردودية أكبر، مع دعم تقني وتأطير لتطوير الضيعات الفلاحية.
بعد التحاقها بالمجموعة الفرنسية العملاقة دوليا، أصبحت سنطرال سادس أكبر فرع لدانون الفرنسية، محققة قرابة 5 في المائة من رقم معاملاتها في مجال منتجات الحليب. كل شيء كان يوحي بأن الطموحات الكبيرة في طريقها إلى الإنجاز، حيث كانت سنطرال المغربية قد أطلقت منذ العام 2007 استراتيجية لتحفيز الزبناء على الوفاء لمنتجاتها. وضعت الشركة تحفيزات مغربية لأصحاب نقط البيع، وهي التحفيزات التي ترتفع قيمتها عند الاقتصار على ترويج منتجات سنطرال وعدم التعامل مع منافسيها، وهي الممارسة المحرمة دوليا، لأنها منافية لقواعد المنافسة الشريفة. وبمبرر ضمان احترام سلسلة التبريد طيلة مسار تسويق المنتجات، راحت سنطرال تزود نقط البيع بآلات التبريد التي تحمل علامتها. كانت الشركة قد بذلت مجهودا كبيرا لحماية موقعها باعتبارها صاحبة أكبر شبكة للتوزيع، ذلك أنها تزود 93 في المائة من نقط البيع بشكل مباشر، عن طريق أكثر من 800 شاحنة تابعة لها.
قوة شركة سنطرال المغربية لم تكن تقتصر على شبكتها الكبيرة للتوزيع، بل تمتد إلى سيطرتها على قسم كبير من مصادر التزود بالحليب الطري. أبدت الشركة حرصا دائما على حماية مصادرها من الحليب المحلي، لأنها تحقق لها عائدا ماليا يتمثل في تقليص الكمية المستوردة من الحليب، مع ما يعنيه ذلك من أسعار مرتفعة ومخاطر مرتبطة بسعر الصرف… دخل العملاق الفرنسي إلى السوق المغربي بناء على توقعات بتحقيق نمو سنوي في معدل الاستهلاك الفردي من الحليب، بنسبة 3.3 في المائة بين 2012 و2015. وتفسر الدارسات التي أجريت حينها هذا التوقع بعاملين اثنين، أولهما هو معدل النمو الديمغرافي الذي يناهز 1.2 في المائة سنويا، ثم زيادة سنوية في استهلاك كل فرد من الحليب بنسبة 2 في المائة، لتتجاوز عتبة 29 كيلوغراما. هذا التوقع الأخير بني بدوره على عوامل أساسية، تتمثل في تطور القدرة الشرائية للمستهلك المغربي، وتغير العادات الاستهلاكية بشكل يدمج المواد المشتقة من الحليب أكثر، ثم عامل الحملات التحسيسية للتوعية بمنافع الحليب ومشتقاته.

بداية الانحدار
الوثيقة المنشورة في موقع الهيئة المغربية لسوق الرساميل تقول إن سنطرال كانت، عام 2011، تتوقع نمو أرباحها الصافية بما لا يقل عن 7 في المائة سنويا، لتصل عام 2015 إلى أكثر من 700 مليون درهم، وعلى أساس ذلك اقتنتها دانون الفرنسية. لكن، وكما لو أن المشاكل كانت تنتظر انتقال ملكية الشركة من الهولدينغ الملكي إلى الجانب الفرنسي، كانت «سنطرال»، ابتداء من العام 2013، على موعد مع انكماش في الأداء التجاري والمالي، ما أدى إلى فرضها زيادة في سعر الحليب على باقي الفاعلين في السوق المغربي.
مجلس المنافسة كشف، في تقريره السنوي للعام 2013، فحوى الرأي الذي خلص إليه بعد تحريه في قضية الزيادة في سعر الحليب، بطلب من الحكومة، بعد قرار الزيادة الذي اتخذته شركة «سنطرال» صيف ذلك العام. المجلس كشف عدم صحة المبرّر الذي قدّمته الشركة، ومعها باقي المنتجين الذين سارعوا إلى تطبيق الزيادة، والمتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث قال المجلس إن سنة 2013 شهدت انخفاضا في كلفة إنتاج الحليب، وإن الارتفاع همّ مسحوق الحليب الذي يستعمل في صنع مشتقات الحليب، وهو ما يشير إلى احتمال فرض الزيادة في سعر الحليب باعتباره مادة أساسية لا يمكن المستهلك التخلي عنها أو تقليص استهلاكه منها، لتعويض خسائر محتملة في بيع باقي مشتقات الحليب. كما أكد المجلس في رأيه وجود مؤشرات على احتمال وجود اتفاق بين الشركات المنتجة للحليب على إقرار تلك الزيادة، وبالتالي، ارتكابها ممارسة منافية لقانون المنافسة.

زيادة تدليسية
التقرير قال إنه، ورغم إجماع أهم الفاعلين على أن سبب زيادة الأسعار في غشت 2013 هو الغلاء الحاصل في كلفة الإنتاج؛ «فإن الدراسة خلصت إلى أن المواد الأولية عرفت انخفاضا نسبيا خلال سنة 2013، على عكس ما طرأ خلال السنوات الماضية». وأضاف التقرير أن هذه الزيادة تزامنت مع ارتفاع ملحوظ في أثمنة مسحوق الحليب، الذي لا يستعمل في إنتاج الحليب المبستر، بل في إنتاج مشتقات الحليب. «الشيء الذي يطرح تساؤلا حول الكيفية التي جرى من خلالها تعويض الخسائر التي قد تكون حصلت في مشتقات الحليب التي لم تعرف أثمنتها أي تغيير ملحوظ».
كما خلص التقرير، الذي كشفه المجلس بعد سنة من دخول الزيادة حيز التطبيق، إلى وجود مؤشرات حول اتفاق بين الشركات المنتجة للحليب على إقرار هذه الزيادة. ومن هذه المؤشرات، السرعة التي طبعت رد فعل الفاعلين الثاني والثالث بعد «سنطرال»، وهما كل من COPAG وSAFILAIT، في تطبيق الزيادة نفسها. والمؤشر الثاني، حسب رأي مجلس المنافسة، هو الموقف الموحّد لتلك الشركات بشأن مبررات الزيادة، أي ادعاء وجود ارتفاع الكلفة بالنسبة إلى الفلاح والمصنع. كما أضاف المجلس مؤشرا ثالثا يتمثل في لجوء شركة COPAG إلى تجميع الحليب الطازج بناحية تادلة، حيث كانت تتمركز كل من «سنطرال» وSAFILAIT، أي القبول بزيادة السعر مقابل السماح لـ«كوباك» بدخول منطقة تادلة.
شهورا قبل نشر تقرير مجلس المنافسة، كان وزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، قد فاجأ النواب البرلمانيين الذين استدعوه للمثول أمام لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب في شتنبر 2013، بدفاعه الصريح عن الطريقة التي تدخّل بها لتزكية الزيادة في سعر مادة الحليب، واكتفائه بالاعتراف بأن الزيادة كانت مفاجئة للحكومة. أخنوش حضر إلى مجلس النواب حاملا حجة واحدة لتبرير الزيادة، موضحا أنه تمكّن من تحويل أكثر من 60 في المائة من تلك الزيادة إلى جيوب الفلاحين والعالم القروي، مبرزا أن ذلك يعتبر إنجازا كبيرا لأن مربيي المواشي ظلوا يشتكون منذ سنوات انخفاض الثمن الذي يبيعون به الحليب، قائلا إن «نيتهم غلبات» واستفادوا بشكل كبير من الزيادة الأخيرة.
دفوعات لم تُقنع النواب البرلمانيين، حيث توالت تعليقاتهم متسائلة عن كيفية قبول الحكومة زيادة كبيرة في سعر مادة أساسية، علما أن منتجيها يستفيدون من أشكال مختلفة من الدعم. عزيز أخنوش أصرّ على أن وزارته لم تقرّر الزيادة ولا بادرت إليها، مضيفا أنه كان أمام أمر واقع وقرار اتخذه طرف آخر، ودافع عن مبادرته المتمثلة في عقد اجتماع مع منتجي الحليب، أفضى إلى اتفاق يقضي بمنح 60 في المائة من الزيادة المقررة في سعر الحليب للفلاحين الذين يزودون هؤلاء المنتجين بالحليب. وبعد التناقضات التي ظهرت داخل الحكومة، بين مبادرة أخنوش، وما كان قد ذهب إليه وزير الحكامة والشؤون العامة، محمد نجيب بوليف، من رفض للزيادة ولجوء إلى مجلس المنافسة، نفى أخنوش أن يكون هناك أي خلاف بينه وبين بوليف. وأوضح أن هناك شقين في الموضوع، واحد يعود إليه وآخر من اختصاص وزارة بوليف. «الأمر لا يعكس أي خلاف، هناك شق للمنافسة يعود إلى وزير الحكامة والشؤون العامة، وشق آخر يعود إلي، وشق صناعي يهم وزير الصناعة. السيد بوليف اتخذ مساره وتوجه إلى مجلس المنافسة ليقوم بالبحث، والحل الذي توصلنا إليه من جانبنا هو حل متميز»، يقول أخنوش.
المبررات التي قدمها أخنوش حينها تكاد تتطابق مع تلك التي يدفع بها وزراء العدالة والتنمية اليوم، من قبيل أن البادية المغربية تضم 400 ألف منتج للحليب، «وكل من يزاول الفلاحة تكون له بقرة أو بقرتان يحصل منهما على حاجته من الحليب والدخل الإضافي، وبالتالي، هو قطاع مهم ومشغل». ورغم اعترافه بأن قرار الزيادة في سعر الحليب فاجأ الحكومة، حاول أخنوش حينها تفسير القرار قائلا إن المنتجين يشتكون عدم الزيادة في سعر الحليب منذ أربع سنوات، «علما أن سعر الأعلاف ارتفع السنة الماضية بشكل كبير». هذا المبرر الأخير هو بالضبط الذي جاء تقرير مجلس المنافسة لتكذيبه.

تخفيض سري في الوزن
هذه الخطوة لم تنقذ «سنطرال» من شبح الأزمة والتراجع. فالمعطيات الرقمية التي يقدمها الموقع الرسمي لبورصة الدار البيضاء، يوضح أن سنة 2014 شكلت الاستثناء، حيث لم توزع الشركة أي ربحيات (dividendes)، ما يعني عدم تحقيقها الأرباح. وضع سوف يستمر في السنوات اللاحقة، حيث نقرأ في تقرير لموقع «ميديا24» نشر في يونيو 2016، أن العام 2015 كان صعبا بالنسبة إلى سنطرال، «الشركة اليوم لا تحوز سوى 52 في المائة من السوق مقابل 60 في المائة قبل ثلاث سنوات، وذلك بفعل صعود قوي للمنافسة». التقرير المفصل يعطي تفسيرات مختلفة لهذا التراجع، من قبيل السقوط الكبير لمنتج مثل «رايبي»، وعبء مبلغ 100 مليون أورو الذي أنفقته الشركة بدعوى ملاءمة منتجات سنطرال مع معايير شركة دانون الفرنسية، قبل أن يكشف التقرير أن الشركة عمدت إلى تخفيض وزن بعض منتجاتها دون تخفيض السعر، ودون إخبار الزبناء بذلك. «ديديي لامبلان يبدو شغوفا بالشركة وأنشطتها، ويمكنه الحديث لساعات عن جهود تأهيلها وضرورة تحقيق إنتاج ذاتي للحليب في المغرب… لكن، وبمجرد ما يتعلق الأمر بالتطرق إلى بعض المواضيع، ينغلق كما يفعل المحار». الصحيفة الإلكترونية تتحدث هنا عن الرئيس المدير العام لشركة سنطرال.
أكثر المواضيع التي لم يكن المسؤول الأول عن الشركة يحب التطرق إليها، هو تخفيض وزن بعض المنتجات دون علم الزبون. «لماذا تريدوننا أن نتواصل بخصوص تخفيض الوزن؟»، تساءل المسؤول الفرنسي، وحين أجابه الصحافي بأن ذلك مفروض بموجب الأخلاقيات، رد بالقول: «إنه أمر عارض، ونحن لن نقوم بعملية تواصلية خاصة بتخفيض وزن منتج. مثل هذه الممارسات تبقى نادرة، وحين نقدم عليها فلغاية صحية، وليس لتحقيق مزيد من الربح. فعوض الرفع من السعر، قررنا تخفيض الوزن 5 غرامات مقابل تحسين الجودة»، يقول ديديي لامبلان، في إشارة إلى منتج «دانيت» الذي خُفض وزنه بخمسة غرامات.

أخنوش يحاول النجدة
في لقاء نظمته الفدرالية المهنية المغربية للحليب في ماي 2017، جرى تقديم عرض حول خصائص قطاع الحليب في المغرب. العرض يقول إن أكثر من 90 في المائة من الحليب الذي تنتجه الفلاحة المغربية، مصدره فلاحون يملكون أقل من 10 رؤوس من البقر، مع تقلبات ترتبط بالمواسم الفلاحية المختلفة. أما العصرنة التي جاء بها مخطط المغرب الأخضر، فلم تشمل سوى 10 في المائة من الضيعات المنتجة للحليب. ويحصي العرض ما يناهز 400 ألف فلاح منتج للحليب على الصعيد الوطني. ويؤكد العرض أن قطاع الحليب يسهم بشكل كبير في توفير الأمن الغذائي، من خلال توفيره حوالي 94 في المائة من الحاجيات الوطنية.
بعد أسبوعين، ستنظم وزارة الفلاحة يوما دراسي حول فوائد استهلاك الحليب، واضعة إياه في إطار مخطط المغرب الأخضر. العرض الذي قدمه سعيد التازي، رئيس قسم الأصناف الحيوانية في الوزارة، يقول إن إجمالي عدد رؤوس الأبقار الحلوب في المغرب ارتفع من أقل من ثلاثة ملايين رأس في 2009، إلى ثلاثة ملايين و300 ألف رأس في 2016. 43 في المائة من هذا القطيع تتكون من الفصيلة المحلية ضعيفة الإنتاج. قطاع الحليب يمثل قرابة 14 مليار درهم رقم معاملات، ويوفر حوالي 474 ألف منصب شغل دائم. أما إجمالي حجم الإنتاج من الحليب، فيستقر في حدود مليارين ونصف مليار لتر عام 2016، ما يمثل حوالي 96 في المائة من الحاجيات الوطنية.
من هنا جاءت مبررات العقد البرنامج الذي وقعته وزارة الفلاحة مع الفدرالية، يوم 26 أبريل 2015، والذي يمتد العمل به إلى غاية 2020. هذا العقد يسعى إلى رفع الإنتاج الوطني من الحليب إلى 4 ملايير لتر، وتخفيض نسبة الفصيلة المحلية من قطيع الأبقار الحلوب من 43 في المائة إلى 20 في المائة، مقابل رفع حصة الأصناف الأجنبية والهجينة. كما يرمي هذا العقد إلى رفع رقم معاملات القطاع ليصل إلى 23 مليار درهم في العام 2020. هذا العقد رصدت له اعتمادات مالية تناهز 6 ملايير ونصف مليار درهم، منها 1.3 مليار من المال العام، وتضمن، على الخصوص، إطلاق حملات تواصلية مكثفة لتشجيع استهلاك الحليب، وجرى في إطاره التوقيع على ميثاق جودة الحليب خلال معرض الفلاحة الدولي للعام 2016، بحضور عزيز أخنوش. إلى جانب ذلك، واصلت وزارة الفلاحة، عن طريق صندوق التنمية الفلاحية، دعم عملية تحسين نسل واستيراد الأصناف الأجنبية من الأبقار الحلوب.

حرب الشمال
يوم 18 أبريل 2017، نشرت يومية «ليكونوميست»، المقربة من الباطرونا، مقالا بعنوان «زمن النكد بالنسبة إلى تعاونيات الحليب». المقال يتحدث عن حرب في سوق الحليب اشتد وطيسها في جهة الشمال، أي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، هدفها إزاحة تعاونية «كولينور» المهيمنة تاريخيا على منطقة الشمال من موقعها، واكتساحه من طرف شركتين هما كل من سنطرال و«كوباك» التي تنتج حليب «جودة». المقال قال إن «كولينور» قامت بمبادرات مقاومة منذ شمل التعاونيات بالضريبة على الشركات عام 2004 بضغط من سنطرال أساسا، حيث أصبحت منطقة الشمال مقبلة على تحول كبير.
هذا التحول استعدت له «كولينور» بتحضير نفسها لتعويض خسائرها في منطقة نفوذها التاريخي، بالانتشار في جهات المغرب الأخرى عبر الاستثمار في الحليب المعقم UHT أساسا. التعاونية اقتنت معدات تسمح لها بمعالجة 300 ألف لتر من الحليب يوميا، في خطوة تحضيرية للخروج نحو السوق المغربي مقابل دخول سنطرال وكوباك إلى جهة الشمال. دخول بدا كما لو أنه يندرج ضمن مرحلة خروج من الأزمة التي عصفت بسنطرال، حيث قرر مجلس إدارة هذه الأخيرة تقديم مقترح توزيع ربحية تقدر بـ15.5 درهم عن كل سهم، في الجمعية العامة المرتقب انعقادها يوم 13 يونيو المقبل، أي قرابة ضعف الربحيات التي وُزعت في العام الماضي.
حرب الحليب، في الشطر الشمالي من المغرب، وجدت بوادرها في إنشاء محطات جديدة في السنوات الأخيرة، في كل من العرائش وتطوان والحسيمة، وخروج «كولينور»، العام الماضي، لتوقيع اتفاقية مع شبكة محلات «بيم» التركية لتسويق حليبها، تحت إشراف مديرها العام، عبد السلام البياري، مرشح حزب الاستقلال في الانتخابات التشريعية الأخيرة بمدينة تطوان، قادما إليه من حزب الأصالة والمعاصرة.
فهل يكون هذا جزءا من خلفية الخروج المثير لقيادة حزب العدالة والتنمية للدفاع عن «سنطرال»، أم إن هناك من يسعى إلى إضعاف الشركة لانتزاعها من يد الفرنسيين؟ الأكيد حتى الآن أن هذه الحرب جاءت المقاطعة لتقلب كل معادلاتها.

حرب المهيمنين

دراسة أنجزها المعهد الفلاماني للدراسات التكنولوجية عام 2012، بشراكة مع المركز المغربي للإنتاج النظيف، وفريق خاص من الباحثين حول سبل دعم استخدام التكنولوجيا الحديثة في قطاع الحليب، وذلك في إطار برنامج bat4med، انتهت إلى تقرير مفصل حول هذا القطاع في المغرب. الوثيقة تقول إن 80 في المائة من رقم معاملات هذا القطاع تنجزها أربع شركت فقط. في صدارتها توجد شركة سنطرال بأكثر من 58 في المائة من سوق الحليب، تليها شركة «كوباك» بنحو 25 في المائة، ثم «كولينور» بحوالي 6 في المائة، وأخيرا «بيست ميلك» بخمسة في المائة. موقع «سنطرال» يتعزز أكثر عندما يتعلق الأمر بمشتقات الحليب الأخرى، مثل «الياغورت» والأجبان. الوثيقة تقول إن القطاع عرف تطورا إيجابيا على مدى العقود الثلاثة الماضية. وتخلص الوثيقة إلى أن القطاع لا يواجه أي تهديدات كبيرة، باعتبار أن العرض مازال يعتبر أقل من الطلب، وفي غياب أي منتج بديل في السوق المحلي عن الحليب، باستثناء حليب الصوجا، والذي يبقى غريبا عن العادات الغذائية للمغاربة. «سنطرال تتمتع بهيمنة على سوق منتجات الحليب بنسبة 60 في المائة، وتستفيد من احتكارها سوق الحليب المعقم UHT»، يقول التقرير. وحتى التعاونيات الـ24 الأكبر في السوق المغربي، بالكاد يتجاوز إنتاج الواحدة منها 20 ألف لتر في اليوم، وأغلبها تنشط في مناطق نائية من المغرب. «لم نلاحظ أي تعاون بين المقاولات، بل هناك منافسة بين الكبرى منها، مثل سنطرال وكوباك»، يقول التقرير في خلاصة سوف يكذبها مجلس المنافسة.

مسار حيـاة «سنطــــــــرال» المغربية

1940 : تأسست المقاولة على يد “الشركة القارية للمغرب”

1953: أصبح الفرع المغربي صاحب أول امتياز دولي لاستغلال علامة “دانون” الفرنسية

1955: إطلاق أول منتوج للحليب الطري المعلب كرطونيا.

1966: إطلاق منتوج “رايبي” لأول مرة

1974: إدراج الشركة في البورصة

1985: إطلاق منتوج “بوتي سويس” لأول مرة في السوق المغربية

1987: إطلاق منتوج جديد يتمثل في الحليب المعقم UHT

1997: تأسيس فرع الشركة المتمثل في “مجبنة دكالة” la Fromagerie des Doukkala

2007: إحداث مؤسسة سنطرال الحليب لتغذية الأطفال

2011: إطلاق مشروع الضيعات الفلاحية “امتياز”

2013: جيرفي دانون تمتلك 67 في المائة من أسهم سنطرال المغربية.

2014: دانون تحوز 22 في المائة إضافية من أسهم سنطرال.